Thursday, September 2, 2010

مفاوضات الاستسلام النهائي؟


مفاوضات الاستسلام النهائي؟
عبد الباري عطوان

"لا تحتاج مفاوضات السلام المباشرة التي تنطلق صباح اليوم في واشنطن بين السيد محمود عباس رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية في رام الله ورئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو الى عملية فدائية تستهدف مستوطنين اسرائيليين قرب مدينة الخليل لافشالها، او اخراجها عن مسارها، فهي فاشلة اصلاً او محكوم عليها بالفشل قبل ان تبدأ، اللهم الا اذا رضخ الجانب الفلسطيني لشروط نتنياهو بالكامل استجابة لضغوط امريكية وعربية، وهذا غير مستبعد على أي حال.
مفاوضات السلام هذه بحاجة فعلاً الى عملية فدائية مثل تلك التي حدثت الثلاثاء، وفي مثل هذا التوقيت، لفتح اعين الاطراف المشاركة فيها الى الحقائق الاساسية التي تحكم الصراع، والاطراف الاخرى الفاعلة فيه، ورأي فئات الشعب الفلسطيني المختلفة من اقصى اليمين الى اقصى اليسار في هذه المفاوضات، ومدى تمثيل الطرف الفلسطيني لهذه الفئات التي يريد ان يتفاوض وربما يتوصل الى اتفاق سلام باسمها.
في واشنطن تجري حالياً عملية تزوير للتمثيل الفلسطيني، مثلما تجري عملية 'تنازل' عربي عن جوهر القضية الفلسطينية، ورسم خطوط اول تحالف، او جبهة عربية اسرائيلية، برعاية امريكية، لمواجهة الخطر الجديد، الذي هو الخطر الايراني السوري وملحقاته. وقيام هذا التحالف الاستراتيجي الجديد لا يمكن ان يتم دون تقديم مغريات للطرف الاسرائيلي الذي سيكون رأس الحربة، في اي هجوم، لتدمير المنشآت النووية الايرانية. وهذه المغريات قد تتمثل في فرض صيغة تسوية بمواصفات اسرائيلية.
نتنياهو فرض شروطه، بعد ان ضمن سحب الطرف الآخر لشروطه، ورضوخ واشنطن بالكامل لاملاءاته، واعاد التشديد عليها عندما اكد انه ابلغ الرئيس الامريكي اثناء الاجتماع به، انه لن يمدد فترة تجميد البناء في المستوطنات التي تنتهي في 26 من الشهر الحالي، واوعز لاحد مستشاريه الى التصريح بان القدس المحتلة ستظل عاصمة موحدة لدولة اسرائيل.
الضيوف العرب على مائدة عشاء الرئيس اوباما التي ستدشن انطلاقة المفاوضات، يحملون اجندات محلية مختلفة، يريدون الحصول على مباركة امريكية لها، مقابل توفير مظلة للمفاوض الفلسطيني وربما الضغط عليه لاتباع اعلى درجات المرونة في التعاطي مع المطالب الامنية الاسرائيلية، ومراعاة حساسية وضع نتنياهو، والاعتبارات القائم عليها ائتلافه الحاكم، بما يؤدي الى استمراره والحيلولة دون انهياره.
ولم يكن من قبيل الصدفة ان يصطحب الرئيس حسني مبارك نجله جمال الى واشنطن ليكون الى جانبه اثناء اللقاءات الرسمية مع الرئيس الامريكي وهو الذي لا يتمتع بأي منصب رسمي، ولن نفاجأ اذا ما ضمن له مقعداً رسمياً على مائدة حفل العشاء التي ستدشن انطلاق المفاوضات المباشرة.
***
الرئيس مبارك يريد ايضاً تدشين عملية الخلافة لحكمه في العاصمة الاهم عالمياً، والحصول على مباركة نتنياهو لها، ألم يقل الدكتور مصطفى الفقي رئيس لجنة الشؤون الخارجية، في مجلس الشعب المصري، وسكرتير الرئيس مبارك السابق لشؤون المعلومات ان مباركة اسرائيل ورضاء واشنطن امران ضروريان لتنصيب اي رئيس مصري جديد؟
العاهل الاردني، الملك عبدالله الثاني، يريد في المقابل نصيبه من أي تسوية مقبلة، خاصة من صندوق التعويضات لقضية اللاجئين الفلسطينيين، وهو الصندوق الذي من المقرر انشاؤه لتعويض اللاجئين والدول المستضيفة لهم معاً، وفوق هذا وذاك، يتطلع العاهل الاردني الى ضمانات امريكية بعدم تحويل بلاده الى وطن بديل، ومنع اي تهجير جديد لفلسطينيي الضفة الغربية، او حتى فلسطينيي عام 1948 الى الاردن، وهو احتمال وارد في ظل اصرار جميع المسؤولين الاسرائيليين على يهودية اسرائيل كشرط لأي تسوية سلمية.
نضع ايدينا على قلوبنا خوفاً من فشل هذه المفاوضات، وخوفاً من نجاحها في الوقت نفسه، لان الشعب الفلسطيني سيدفع ثمناً باهظاً في الحالين، ودون ان يملك القدرات او الدعم العربي اللذين يمكن ان يمكناه من تقليص الخسائر اذا لم يستطع منعها.
فعندما يقول الدكتور صائب عريقات كبير المفاوضين الفلسطينيين ان التوصل الى اتفاق سلام يمكن ان يتم في غضون شهر، وليس عاماً مثلما حددت الدولة الراعية، اي امريكا كسقف زمني لهذه المفاوضات، لا بد ان عريقات يعرف عن ماذا يتحدث، فلا أحد غيره على اطلاع على سير المفاوضات السرية منها والعلنية، وليس هناك من يتابع او يحاسب.
الرئيس عباس قال انه قدم الى نتنياهو مشروع اتفاق متكاملاً جرى التوصل اليه مع ايهود اولمرت اثناء رئاسته للوزارة، ولم يتم التوقيع عليه بسبب ادانة الاخير في قضايا فساد مالي. واضاف الرئيس عباس بان نتنياهو لم يرد مطلقاً، بالسلب او الايجاب على هذا المشروع.
ما نريد قوله ان احتمالات الفشل كبيرة ليس بسبب صلابة الموقف الفلسطيني، بقدر ما هو صلابة مواقف نتنياهو، ولكن علينا ان لا نستبعد حدوث 'مفاجآت'، فقد تعودنا على عمليات التلاعب بالاعلام ووسائله لاطلاق قنابل دخان، بين الحين والآخر، لإخفاء ما يجري حقيقة في الغرف المغلقة. فالدكتور سلام فياض الذي يعكف على بناء البنى التحتية للدولة الفلسطينية كان يتحدث بثقة مطلقة عن قيام هذه الدولة في آب/اغسطس المقبل، وهو الموعد نفسه الذي حددته ادارة اوباما كسقف زمني للمفاوضات المباشرة الحالية.
***
العملية الفدائية التي اسفرت عن مقتل اربعة مستوطنين في الخليل جرى امتصاصها وتطويق تداعياتها في واشنطن، فمن الواضح ان هناك اكتفاء بالادانات التي صدرت عن السلطة وزعيمها ونتنياهو والادارة الامريكية، والمضي قدماً في المفاوضات وفق الخطة المرسومة لسبب بسيط هو ان لا احد يريد ان يستوعب الرسائل التي تحملها، اولها وجود حالة غليان في الاراضي المحتلة نظراً لمسلسل الاهانات والاذلال الذي يتعرض له الفلسطينيون في ظل الاستيطان والحواجز والقمع المزدوج، اي الاسرائيلي والسلطوي، والتفرد في القرار دون اي مرجعيات او مؤسسات وطنية. وثانيها حال الانقسام الراهنة بين معسكر مفاوض، وآخر مقاوم، وثالثها التذكير بان هناك احتلالاً للارض نسيه الكثيرون في غمرة التنسيق الامني، ورابعها قدرة المقاومة ورجالها على اختراق هذا التنسيق والوصول الى اهدافهم في المكان والزمان اللذين يريدونهما.
فالرئيس عباس يذهب للمفاوضات في ظل معارضة معظم فصائل منظمة التحرير، واكثر من نصف اعضاء اللجنة المركزية لحزبه الحاكم، ومعظم ابناء الشعب الفلسطيني في الشتات، وكان لافتاً ان السيد مروان البرغوثي الاسير والقيادي الفتحاوي الابرز حرص على التأكيد على معارضته من معتقله اكثر من مرة، ومع ذلك لا تثير هذه الآراء اي اهتمام لدى الرئيس عباس، ولا حتى للدولة الراعية لهذه المفاوضات والداعية لها، التي تدعي ان نشر الديمقراطية والحريات على قمة اولوياتها.
امريكا لا تستطيع فرض تسوية او تمثيل على الشعب الفلسطيني، مهما امتلكت من المال واسباب القوة، فها هي تنسحب مهزومة ومثخنة بجراح الفشل من العراق، وها هي تخسر 25 جندياً من جنودها في اربعة ايام في افغانستان. فالطائرات والصواريخ والتكنولوجيا العسكرية الحديثة تنهزم امام ارادات الشعوب اذا ما اصرت على المقاومة والتمسك بحقها بالاستقلال والسيادة الحقيقيين.
لا نعتقد ان الرئيس عباس يريد ان يذكره احد بالهزائم الامريكية في افغانستان والعراق، او الهزائم الاسرائيلية في لبنان والتي كان آخرها صيف عام 2006، ولكن لا ضير في ان نفعل ذلك، مستعينين بالعملية الفدائية الاخيرة في منطقة الخليل كجرس انذار، آملين ان لا نفسد عليه عشاءه الدسم هذه الليلة في معية مضيفه اوباما ومريديه من الزعماء والمسؤولين العرب.
"

No comments: