Monday, May 3, 2010

'أم الحروب' تحل صيفا


'أم الحروب' تحل صيفا
عبد الحليم قنديل

"هذه المرة قد تحل الحرب فى الصيف أيضا.
كل الحروب التي شنتها إسرائيل ـ أو جرت معها ـ كانت في الصيف، في بواكير شهوره أو في أواسطها، أو في آخرها، الحرب الأولى كانت في ايار/مايو 1948، وفي حزيران/يونيو جرت حرب 1967 وحرب 1982 لاجتياح لبنان، وفي تشرين الاول/أكتوبر جرت حرب 1956 وحرب 1973، وفي تموز/يوليو 2006 جرت حرب إسرائيل ضد حزب الله، وكانت حرب 2009 ضد غزة استثناء وحيدا، فقد جرت في شتاء كانون الثاني/يناير.
وربما تكون الحرب المقبلة هي أم الحروب، وقد يكون صيفها هو الأسخن بامتياز، وبمزيج من حرارة الطقس وحرارة النار، وقد يكون وقتها هو الأطول متجاوزا الرقم القياسي الذي تحقق في حرب 2006، والتي استمرت على مدى 34 يوما.
ورغم أن الصورة تبدو ملتبسة، وتختلط فيها فكرة التهويل بفكرة الشروع في حرب بالفعل، وفكرة الحروب النفسية بمناورات الضغط على الزناد، إلا أن سير الحوادث يوحي أكثر بتوقع حرب تتصور إسرائيل أنها الأخيرة، وعلى امتداد جبهات الشرق من غزة إلى لبنان إلى سورية وإلى إيران.
وقد نكون بصدد قواعد قديمة تتبدل، وخاصة قاعدة أنه لاحرب بدون مصر ولا سلام بدون سورية، النصف الأخير من القاعدة لايزال صحيحا، فلا سلام يتحقق إن استثنى سورية، بينما ذهب النصف الأول من القاعدة ـ مؤقتا ـ إلى ذمة التاريخ، وجرت حروب عربية ناجحة ضد إسرائيل بدون مشاركة مصر، وحتى بدون مشاركة أي نظام عربي آخر، فقد خرجــــت إسرائيل خاســـــرة في حرب 2006 ضد حزب اللـــــه، ولم تحقق أهـــــدافها في حرب 2009 ضد حركة حماس في غزة، وقد تكون الحرب المقبـــلة استطرادا لتحطيم القواعد، وبجديد قد تنطوي عليه وقائعها المحتملة، وهو مزيج من الحروب النظامية وحروب المقاومة، وقد نكون بصدد جولة هي الأخطر في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، وتمثل مشروعا عربيا مقاتلا برأس إيراني لا برأس مصري هذه المرة.
نعم، قد تكون إيران هي الطرف الأبرز في صورة الحرب المقبلة، لكن الحرب قد لاتشمل إيران بالضرورة في مراحلها الأولى، وقد لاتتوقف على تطورات صراع الغرب مع طهران حول مشروعها النووي، فقد تحدث انفراجة ما أو ينخفض التوتر، وقد ينفسح المجال أكثر لضغط بالعقوبات، أو بمناورات حول مشروع تبادل الوقود النووي، وقد تتأخر مواعيد فتح النيران على الجبهة الإيرانية، وبحسابات أمريكية معقدة تتخوف على جنودها في العراق، والذين يراد سحب 50 ألفا منهم إلى جبهة أفغانستان في آب/أغسطس المقبل، لكن ذلك لا يعني ـ بالضرورة ـ أن تتأخر مواعيد الحرب إلى موعد صب النار على رأس إيران، فأولويات إسرائيل مختلفة، والخطر الرئيسي الحال عليها ليس إيران بل حزب الله، والذي تضاعفت إمكاناته الصاروخية، وإلى حد تهديد الوجود الإسرائيلي في العمق، فوق أن حزب الله يربك إسرائيل بنشاطه الاستخباراتي المذهل، وبجعله لعواصم الدنيا على اتساعها مجالا محتملا لثأر صاعق يرد على اغتيال عماد مغنية القائد العسكري لحزب الله.
وتبدو إسرائيل في المأزق، فلا هي قادرة ـ بحكومتها اليمينيةـ على الإيحاء بتقدم في مفاوضات تجري مع عباس أو تحتمل مع سورية، ولا هي قادرة على مواجهة التهديد الوجودي الذي يمثله لها حزب الله بضغوط السياسة والتهديد النفسي، ولا هي تضمن أن تخوض حربا ضد حزب الله وحده، وتتوقع فيها كسبا، خاصة بعد خطاب الردع الذي صدر عن السيد حسن نصر الله قبل شهور، والذي هدد فيه بتدمير البنية التحتية لإسرائيل إن هي فعلت الأمر نفسه في لبنان، وقد لجأت إسرائيل إلى حل تتصور أنه يريحها، وهي أن تخرج من مأزقها بوضع سورية هي الأخرى في المأزق، وتحميل دمشق المسؤولية عن حزب الله، واعتباره فرقة من الجيش السوري، ولجأت ـ أي إسرائيل ـ لاختراع قصة نقل صواريخ 'سكود' من سورية إلى حزب الله، وبقصد تيسير الحصول على ضوء أخضر من إدارة أوباما لشن حرب على سورية، وعلى ظن أن سورية هي الطرف الأضعف الذي يمكن قهره عسكريا بسرعة، وكسر حلقة الوصل الناقلة للدعم الصاروخي من إيران إلى حزب الله، وهو ما قد يبدو لإسرائيل كمغامرة تستحق خوضها، وقد لاتمانع واشنطن، بل أن ترتيبات جارية على ما يبدو تمهد لحرب مزدوجة ضد سورية وحزب الله، ولعل مكوكيات الجنرال إيهود باراك وزير الحرب الإسرائيلي إلى واشنطن، ونقله لتقارير الموساد التي قالت واشنطن أنها تثق بها، وتصعيد اللهجة الأمريكية ضد دمشق وحزب الله، لعل ذلك كله ـ وغيره ـ مما يوحي باتفاق على حرب من مرحلتين، الأولى ضد سورية وحزب الله، وقد تشمل حماس، والثانية ضد إيران إن تكللت الحرب الأولى بفوز عسكري لإسرائيل.
وكما يبدو الذهاب للحرب نتيجة محتملة بشدة لمأزق إسرائيل، فإن الفكرة ذاتها تروق على ما يبدو للإدارة الأمريكية، فقد فشل الرئيس أوباما في أداء دور الرجل الطيب وصانع السلام، وفشلت كل محاولاته للضغط على إسرائيل، بل ارتد الضغط عليه في واشنطن، وصدمته قوة اللوبي اليهودي، وتراجعت شعبيته إلى حدود الخطر، وهو الذي يريد أن يؤهل نفسه لرئاسة أمريكية ثانية، ولا تريد إسرائيل حتى أن تحفظ ماء وجهه، ويبدو مبعوثه جورج ميتشل في صورة شحاذ مسكين حين يلتقي برئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، ويكتفي من الغنيمة بالإياب ودعوة عباس للقاء أوباما، وإلى حد تبدو معه 'المساجلات السلامية' كأنها مجرد غطاء للتمويه، فلا صوت يعلو على صوت أمن إسرائيل في واشنطن، ودعم ذهاب إسرائيل للحرب قد يفتح طريق أوباما لقلب تل أبيب، ويحملها على التجاوب الظاهري مع جهوده، والإيحاء بتقديم تسهيلات لسلطة عباس تمنع انهيارها الكلي في الضفة الغربية، وتحول دون تفجر انتفاضة فلسطينية ثالثة عنوانها القدس هذه المرة.
ودعك من الجهود التي يقال أنها تجري لتجنب الحرب، وسواء صدرت عن القاهرة الرسمية، والتي يلتقي رئيسها مبارك مع نتنياهو في شرم الشيخ، ويسعى لعقد لقاء مع الرئيس السوري بشار الأسد ربما يحضره الملك السعودي، أضف إلى ذلك ما يجري من زحمة اتصالات أوروبية مع دمشق، وكلها تحركات أقرب إلى معنى الدعم السياسي لهدف الحرب الإسرائيلية، فهي تهدف إلى فك الصلات أو خلخلتها بين دمشق وطهران، وتوريط سورية في حصار حزب الله، والمعنى: أن تتحقق نتائج الحرب الإسرائيلية المتوقعة حتى بدون احتياج لطلقة رصاص، وحين تمتنع دمشق عن قبول مالا يصح قبوله، فسوف يقول عرب أمريكا: لقد حذرنا وأنذرنا، وسوف ينتظرون ـ بشغف ـ أن تحقق إسرائيل فوزا بالسلاح يبدو مستبعدا.
"

No comments: