Wednesday, November 22, 2006

واقعية = تشاؤم


جوزف سماحة

رصاصات قاتلة اغتالت بيار الجميل. تغيّرت الأساليب والإرهاب واحد. كان يبدو أن المسرح اللبناني جاهز لحدث ما. كانت المخاوف كبيرة. لم يكن السؤال هل يحصل شيء بل متى ومن.
من كان ينظر إلى لبنان كان يرى كتلتين متّجهتين بسرعة قصوى إلى التصادم. كل يوم يمر يحمل نصيبه من ارتفاع منسوب التشنّج والتوتّر. كانت دعوات التسوية تسقط تباعاً. وكان الأخطر، على الإطلاق، هو التوازن بين هاتين الكتلتين وشعور كل منهما بتفاؤل مؤكد بإمكان انتزاع مطالب لا شك، لدى أصحابها، في أحقيّتها.
لم يحصل مرة، مثل هذه المرة، أن ازدهر التحذير من الشغب والفوضى ومن الاحتمالات الخطيرة. إلا أن التقديرات كانت تشير إلى أن الخطر سيرافق التحركات الشعبية الكبرى ويحاول التأثير عليها وحرفها عن مسارها السلمي. وفي موازاة هذا التحذير كان يصدر التأكيد تلو التأكيد على ديموقراطية أي تحرك وعلى الحرص الشديد على تجنّب أي احتكاك أو توتر.
إلا أن يد الفتنة كانت أسرع. أرادت الاستفادة من الأجواء العامة وتوظيفها. أدركت أن الوضع هشيم وأن النار قابلة لاشتعال سريع، سواء في بيئة لبنانية معيّنة أو بين اللبنانيين. يد الفتنة أرادت قطع الطريق على ما كان سيكون، وبرغم كل شيء، احتكاماً إلى المواطنين.
محطة دموية أخرى. لكنها محطة من نوع خاص.
لقد اغتيل بيار الجميل في لحظة انقسام وطني خطير. انقسام يطال الأساسيات ويمثّل ذروة جديدة في مسيرة انشطار بدأت منذ فترة ولم يتمكن اللبنانيون من إيقافها، وقد لا يتمكنون.
كانت الأزمة تكبر. وكانت تدفع المخارج المطلوبة لتصبح أصعب وأشدّ تعقيداً وأكثر استدعاءً لقرارات تاريخية تتجاوز فنون إدارة الوضع التقليدية. ولما حصل العدوان الإسرائيلي خرج من يقول إن لبنان الخارج من هذه الحرب لن يكون هو نفسه لبنان الذي تعرّض إليها. ويمكن القول، بلا مبالغة، إن الأزمة كانت تتفاقم والمخارج تزداد إشكالاً، والضغوطات الخارجية تشتد، ولكن، في المقابل، كان الاستقبال اللبناني، استقبال بعض اللبنانيين على الأقل، لهذه التطورات ناقص الحكمة وناقص المسؤولية.
لقد حصلت ارتعاشة وعي أمس. بدا وكأن هناك من ينظر إلى الهاوية ويدعو إلى عدم الارتماء فيها. ولكن الخوف، الخوف كله، أن تكون هذه ارتعاشة فحسب، وأن يستأنف المعنيون صراعاتهم من حيث أوقفوها تحت ضغط الجريمة وللقيام بواجبات المؤاساة.
ربما كان ضرورياً في هذه المناسبة الحزينة، وبعد إدانة الاغتيال، التركيز على أمرين يمكن لهما أن يحملا بعض العزاء:
أولاً ــ لا حلول تقليدية لأزمة غير تقليدية. ويعني ذلك أن لبنان لا يحتاج اليوم، كما أي بلد في العالم، إلى «رجال الدولة». يحتاج لبنان اليوم إلى قادة تاريخيين، إلى قامات عالية، إلى من يقدر على الاستشراف أولاً، وعلى توجيه قواعده ثانياً. رجال الدولة يحسنون إدارة دولة. لكن الشرط اللبناني الراهن يستوجب من يبتدع هذه الدولة.
ثانياً ــ لا حلول من الخارج. يكون الحل لبنانياً أو لا يكون. نعم المحكمة الدولية تفرض نفسها. ولقد فعلت. إلا أن لبننة تلقّي هذه المحكمة تبقى غير منجزة. على العكس. ثم إن المحكمة وحدها ليست حلاً سحرياً للمشكلات كلها. فالاجتماع اللبناني، في هذا المحيط الإقليمي المضطرب، وفي هذا الوضع الدولي الضاغط والمتحوّل والحامل لأكثر من شبهة، إن هذا الاجتماع لن يستقرّ على صيغة تعايشية إلا عبر تقديم أجوبة تراعي المطالب المشروعة لجميع مكوّناته وتعكس ذلك في تركيبة السلطة، مجلساً نيابياً وحكومة.
أن تكون واقعياً، اليوم، في لبنان، يعني أن تكون متشائماً. والسؤال المطروح على كل مواطن يتناول قدرته على تكييف مطالب يراها عادلة ويريد تحقيقها مع هذا القدر العالي من التشاؤم.
كان بيار الجميل يبدو، على الدوام، مشعّاً بالتفاؤل. آن لنا جميعاً أن ندرك أن زمن السعادة ولّى ولو كان حافلاً بالانتصارات.

No comments: