Monday, May 24, 2010

ضد المصالحة


ضد المصالحة
عبد الحليم قنديل

"أرجو ألا أكون أصدم القارئ عندما أقول أنني ضد توقيع اتفاق المصالحة بين حماس وعباس.
ربما السبب أن الاتفاق المطروح لا يعكس رغبة في التوصل لمصالحة فلسطينية حقيقية، وبقدر ما يعكس رغبة في مصالحة الفلسطينيين على أولويات إسرائيل، والانتقال بمواقف حماس إلى مواقع عباس، وإعادة صياغة العمل الفلسطيني كله على المقاس الإسرائيلي بالضبط.
ودعك من نصوص ورقة المصالحة المصرية، فالروح العامة أهم من النصوص، والسباق السياسي أكثر أهمية، والوسيط المصري ـ بطبائع السياسة ـ ليس مخلصا لقضية توحيد الحركة الوطنية الفلسطينية، وبقدر إخلاصه ورغبته في إرضاء إسرائيل، ولأسباب تتصل بدور 'الوسيط الضاغط' على الفلسطينيين الذي اختاره النظام المصري لنفسه من زمن، ولدواع تتعلق بمعادلة بقاء النظام، وبقاء رئيسه الذي وصفه بنيامين بن اليعازر بأنه 'كنز استراتيجي لإسرائيل'، وقد نتفهم حرص بعض قادة حماس على المناورة، وربما الإيحاء برغبة تجاوب مع مطالب النظام المصري، ولأسباب تتعلق بوضع غزة الراهن، وكل ذلك مما قد يصح تفهمه، ولكن دون أن تتورط حماس في التوقيع على صك اعتراف نهائي بأوسلو ورزاياها، والتورط في الاعتراف بشرعية لوجود إسرائيل ذاتها.
وعباس ـ بالطبع ـ لن يخسر شيئا من وراء توقيع اتفاق المصالحة، فقد ذهب إلى ما هو أسوأ وأضل، وتجاوز من زمن فكرة الاعتراف بشرعية كيان الاغتصاب الإسرائيلي، وأعطاه شرعية الوصاية على العمل الفلسطيني نفسه، وحصر خياراته في ابتغاء مرضاة إسرائيل، يتفاوض لمجرد التفاوض، ويعرب عن القلق أحيانا، لكنه لايخرج ـ أبدا ـ عن قواعد اللعبة المرسومة، والتي وقع أسيرا لها بمزيج من دواعي الاختيار والإجبار، فالضغط العسكري الإسرائيلي فوق رأسه، والأوامر الأمنية واجبة التنفيذ، وأموال الرباعية الدولية هي التي تغذي ميزانيته، وهو بدوره يلعب اللعبة ذاتها من رام الله، يسعى جهازه الأمني لمطاردة واعتقال وتعذيب وقتل المقاومين الفلسطينيين من 'حماس' و'الجهاد الإسلامي'، ويتحكم في قادة حركة فتح وكوادرها بتوزيع الوظائف والرواتب، وفي منظمات فلسطينية أخرى تعارضه سياسيا، لكنها تخضع له ماليا، ولا تتجاوز في رد فعلها خطوطا حمراء، فالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـ مثلا ـ تنظيم فلسطيني معارض بجدية، وتملك زخما تاريخيا فريدا، وأمينها العام أحمد سعدات معتقل في سجون إسرائيل، لكنها لا تملك فرصة التمرد الكامل على عباس حتى لو أرادت، والسبب مفهوم، فلديها مئات الأسرى، ومئات من عوائل الشهداء، ومئات من الكوادر القيادية المتفرغة، وكل هؤلاء يحتاجون إلى أموال يأتي غالبها من 'الصندوق القومي الفلسطيني'، والأخير في حوزة عباس، وله وحده حق التصرف فيه بصفته رئيسا لمنظمة التحرير الفلسطينية، والتي كفت عن الوجود السياسي والتنظيمي الفعلي من زمن طويل.
نعم، عباس لن يخسر شيئا من مصالحات الورقة المصرية، فقد فقد صلته من زمن بآمال وطموح الشعب الفلسطيني في التحرير، وتحول إلى دور الممثل على خشبة مسرح مكشوف، وبحسب نص مريب ملتبس، يعطي إيحاء فلسطينيا كاذبا، ويعارض أي تحرك مقاوم، وسواء كانت المقاومة بالسياسة، بمظاهرات الحجر، وبالهبات الجماهيرية، أو بالسلاح من باب أولى، فالرجل ـ من دون لف ولا دوران ـ ضد أي انتفاض أو تحرك للشعب الفلسطيني، والمصالحة معه تعني المصالحة مع أقدار الموات المفروضة على حركة الفلسطينيين، وحرف قضيتهم عن مجراها الأصلي كقضية تحرير وطني، والانحراف بها إلى معنى آخر، يصور الفلسطينيين كجماعة بشرية بائسة، تعاني من سوء الحظ، وقد يصح أن نطلب لها طعاما وشرابا ومعونات، فيما تترك الأرض نهبا للإسرائيليين، يهودونها، ويغيرون حقائقها الجغرافية والسكانية، وينعمون باحتلال منخفض التكاليف، تنزل عن كاهله تكاليف معيشة الفلسطينيين تحت الاحتلال، وتنتقل الأعباء إلى عنوان فلسطيني مريح، وباسم 'سلطة وطنية'، لاهي سلطة، ولا هي وطنية، بل مجرد قبضة هواء، ووكيل أمني هو العين الساهرة لاسرائيل، والباقي تفاصيل، ومكوكيات تروح وتجيء مع السيد جورج ميتشل، ومفاوضات عبث، ووعود بإقامة دولة فلسطينية لا تقوم، وعدت أوسلو بقيامها عام 1999، ومرت عشر سنوات دون أن تقوم أو تقترب، وربما تمر مئة سنة ـ دون جديد ـ لو ظل الأمر الفلسطيني لعباس. . وما يشبهه.
على اي شيء ـ إذن ـ يمكن أن تتصالح حماس، إذا تصالحت مع عباس فهي تسلم بقيادته، وتلتزم بنهجه، وتعترف بإسرائيل كما يعترف، وتعترف بأولوية الرغبات الاسرائيلية على طريقة عباس ووساطة النظام المصري، وهو ما يعني ـ عمليا - أن تفقد حماس صفتها كحركة مقاومة، صحيح أن إشارات ما وردت عن المقاومة في الورقة المصرية، لكنها جاءت على طريقة الجمل الاعتراضية، ودون أن تكون هي المعيار والأساس، بينما المقاومة هي الخيار الوحيد لأي شعب يقع تحت الاحتلال، وهي الاختيار الذي لا يصح من اختيار سواه في الوضع الفلسطيني الملموس، وقد بنت حركة حماس تاريخها، وتألقت بفعلها المقاوم بالذات، وصاغت وجودها على أساس فكرة المقاومة، وحازت ثقة الشعب الفلسطيني ـ في آخر انتخابات جرت ـ على أساس انحيازها وتمثيلها الأوسع لمعنى المقاومة، وليس على أساس الانزلاق إلى خيمة أوسلو، والتصرف كسلطة تفاوض، فالذي أخذ بالقوة لا يسترد بغيرها، والتحرير النسبي لغزة، وتفكيك مستوطناتها، لم يحدث بالتفاوض مع اسرائيل، بل حدث بقوة سلاح الانتفاضة الفلسطينية الثانية، والتي جعلت تكلفة بقاء الاحتلال فوق فوائده، وأجبرت اسرائيل على فك الارتباط مع غزة من طرف واحد، ودون توقيع صك اعتراف باسرائيل، ولا اتفاق تطبيع، وهو ذاته ما جرى قبلها في تحرير جنوب لبنان، ثم بعدها في مواجهات حربية طويلة صمدت فيها المقاومة، وأثبتت مقدراتها العبقرية على الثبات والنصر في حرب تموز/يوليو 2006 وحرب كانون الثاني/يناير 2009.
والمعنى، ان فكرة المصالحة الفلسطينية قد يصح أن تتخذ لنفسها مدارا آخر، وقد لا يكون لجماعة عباس من مكان فيه، ولا لوساطة النظام المصري المشكوك في أمرها، والمطلوب -فيما نظن ـ انشاء بيت فلسطيني مقاوم وجامع، يبدأ باسقاط الاعتراف الفلسطيني بسلطة أوسلو وتوابعها، ودمج حركة الشعب الفلسطيني في الشتات مع حركته على الأرض الفلسطينية ذاتها، وبناء منظمة تحرير بديلة، تتخذ من قطعة الأرض شبه المحررة في غزة مركزا لقيادتها الفعلية، وتدمج منظمات السلاح في تشكيل عسكري واحد، وتحدد مهامها العاجلة في ثلاثة عناوين، أولها : استكمال تحرير غزة، والثاني: اشعال انتفاضة جماهيرية ثالثة في الضفة والقدس، والثالث : اعتبار حق العودة والتحرير جوهر الحق الفلسطيني.
هذا هو الطريق لمصالحة فلسطينية تستحق الاسم،
وثمة عقبات ومصاعب بلا حصر، لعل أظهرها أن الاعتراف الرسمي العربي والدولي محجوز لسلطة عباس، وقد يصح تجاهل مثل هذا الاعتراف في المراحل الأولى، فالأهم هو اعتراف الشعب الفلسطيني بأكثريته الغالبة، وابتعاث قيادة مقتدرة لحركة التحرر الوطني الفلسطيني، والعودة العاجلة إلى خطوط النار.
"

No comments: